يوسف المرعشلي

1246

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

الماء واحتضر وفاضت نفسه ، وكان ذلك في ليلة التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاث مئة وألف ، وله من العمر تسع وخمسون سنة وثلاثة أشهر وستة أيام ، وشيعت جنازته في جمع حاشد ، وصلّي عليه ثلاث مرات ، وقد صدر الأمر من الحكومة الإنجليزية أن يشيع ويدفن بتشريف لائق بالأمراء وأعيان الدولة كما كان لو بقيت له الألقاب الملوكية والمراسيم الأميرية ، ولكنه كان قد أوصى بأن يدفن على طريقة السنة ، فنفذت وصيته . وكان مع اشتغاله بمهمات الدولة كثير الاشتغال بمطالعة الكتب وكتابة الصحف وجمع ما لا تنحصر بحد وعد . وله مصنفات كثيرة ومؤلفات شهيرة في التفسير والحديث والفقه والأصول والتاريخ والأدب قلما يتفق مثلها لأحد من العلماء ، وكان سريع الكتابة حلو الخط ، يكتب كراستين في مجلس واحد بخط خفي في ورق عال ، ولكنه لا تخلو تأليفاته عن أشياء ، إما تلخيص أو تجريد ، أو نقل من لسان إلى لسان آخر ، وكان كثير النقل عن القاضي الشوكاني وابن القيم وشيخه ابن تيمية الحراني وأمثالهم ، شديد التمسك بمختاراتهم ، وكان له سوء ظن بأئمة الفقه والتصوف جدّا ، لا سيما أبي حنيفة ، والعجب أنه كان يصلي على طريقة الأحناف فلا يرفع الأيدي في المواضع غير تكبير التحريمة ، ولا يجهر بآمين بعد الفاتحة ، ولا يضع يده على صدره ، وإن كان ليوتر بواحدة ، ويصلي ثمان ركعات في التراويح . وكان غاية في صفاء الذهن وسرعة الخاطر ، وعذوبة التقرير وحسن التحرير ، وشرف الطبع وكرم الأخلاق ، وبهاء المنظر وكمال المخبر ، وله من الحياء والتواضع ما لا يساويه فيه أحد ، ولا يصدق بذلك إلا من تاخمه وجالسه ، فإنه كان لا يعد نفسه إلا كأحد الناس ، وهذه خصيصة اختصه اللّه بها سبحانه ، ومزية شرفه بالتحلي بها ، فإن التواضع مع مزيد الشرف أحب من الشرف مع التكبر ، ثم له من حسن الأخلاق أوفر حظ وأجل ، قل أن يجد الإنسان مثل حسن خلقه عند أصغر المتعلقين بخدمته . ومن أعظم ما منحه اللّه سبحانه أن ألقى في قلبه محبة العلماء الربانيين ، والميل إلى معالي الأمور ، ولذلك كان يتطلع إلى أخبارهم ويتبرك بآثارهم ، وكان له ميل عظيم ومحبة زائدة بشيخنا الإمام فضل الرحمن بن أهل اللّه البكري المرادآبادي ، كان يذكره بالخير ويقول : إنه أحد العلماء الربانيين ، ليس له نظير في اتباع السنة السنية والزهد والاستغناء عن الناس ، ولذلك استقدمه إلى بهوپال ليبايعه ، فأبى شيخنا الدخول وأرسل إليه عمامته ودعا له بالبركة وحسن الخاتمة ، وأوصاه أن يواظب على الاستغفار ، فأخذ السبحة ولازم الاستغفار ، حتى أنه كان يشتغل به آناء الليل والنهار ، وإني سمعت ولده أخانا في اللّه السيد نور الحسن عفا اللّه عنه كان يقول : إني لما رأيت السبحة بيده أول مرة عجبت وسألته عن ذلك فأجابني أنه ألزم نفسه الاستغفار منذ أوصاه الشيخ ، وتلك كرامة جليلة صدرت عن أنفاس شيخنا الزكية ، فإن أنوار الاستغفار لاحت عليه وازدادت حينا بعد حين حتى قلت مكارهه في آخر عمره وغلبت عليه الحالات السنية ثم وثم ، حتى أنه وفق بالتوبة عما كان عليه من سوء الظن بأئمة الفقه والتصوف ، وكتب ذلك في آخر « مقالات الإحسان ومقامات العرفان » وهو ترجمة « فتوح الغيب » للشيخ الإمام عبد القادر الجيلي رضي اللّه عنه وهو آخر مصنفاته ، ثم بعثه إلى دار الطباعة فطبع ، ووصل إليه في ليلة توفي إلى رحمة اللّه سبحانه في تلك الليلة ، أخبرني بذلك صاحبه السيد ذو الفقار أحمد الحسيني المالوي . وكان محافظا على الصلوات في الجماعة ، يصليها في أوائل أوقاتها ، محافظا على أداء الزكاة في كل حول ، وقد تبلغ زكاة أمواله إلى ألوف كثيرة ، مكثرا من الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، محافظا على الأدعية المأثورة عند أوقاتها ، متورعا في الأموال ، قد تخلى عما لا يحل له أخذه أو ما يشك فيه ، دائم البشر ، حلو المنطق ، مقلّا من الكلام ، غير جاف ولا عبوس ، كثير الحلم قليل الغضب ، عفيف اللسان لا يقترح لنفسه شيئا ، مشغول الفكر بالمطالعة والتأليف ، حتى قد كان في بعض الأحيان لا يميز بين أنواع الطعام المختلفة ، منصفا يعرف لأقرانه ولكثير ممن يخالفه فضلهم ، يقول ولده السيد علي حسن خان : إنه لما بلغه نعي العلامة عبد